موقف المثقف في مواجهة المحتل
كتبت: بلقيس الحيدري
باحثة ماجستير كلية الدراسات الإفريقية العليا
ينبغي علينا أن نسجل الدور الوطني للمثقف المصري -على تنوع إنتاجه الثقافي- في معالجة الأزمة البنائية التي نجمت عن الاحتلال البريطاني، وما تسبَّب فيه من انهيار اقتصادي، أدّى بدوره إلى تداعيات اجتماعية خطيرة؛ إذ أشهر المثقف "الشاعر" و"صانع الألحان" و"المطرب" سلاح الأغنية الوطنية كآلية مهمة وفعَّالة للمقاومة، فاستلهم "سيد درويش" العبارات النارية للزعيم "مصطفى كامل" في نشيده "بلادي"، وتجاوز المثقف وسائل القمع والإسكات التي مارسها المحتل، فصرخ "عبد الوهاب" بشعر "علي محمود طه"، قائلًا: "أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا". وخاطب المواطن بقوله: "كنت في صمتك مرغم.. كنت في حبك مكره.. فتكلم.. وتألم.. وتعلم كيف تكره"
كما سجّلت الأغنية الوطنية التفاف المثقفين الوطنيين حول القيادة الوطنية لثورة يوليو، فتغنى "عبد الحليم" بالمبادئ الستة للثورة، قائلًا: "ثورتنا المصرية أهدافها الحرية وعدالة اجتماعية ونزاهة ووطنية". كما أنعشت الأغنية الوطنية الذاكرة التاريخية عند تأميم قناة السويس، فغني "عبد المطلب"، قائلًا: "قولوا لعرابي أخدنا بتارك من اللي خانوك".
وعندما واجهت مصر العدوان الثلاثي من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل عام 1956، جسّد المثقف الشاعر روح المقاومة الشعبية، فهناك صوت "فايدة كامل"، والتي هتفت قائلة: "دع سمائي.. فسمائي محرقة.. دع مياهي.. فمياهي مغرقة.. واحذر الأرض.. فأرضي صاعقة..".
وكان المثقف يستلهم ثقافة البسطاء من الفلاحين وأهل الأحياء الشعبية، فصيغت مادة الأشعار وكلمات الأغنيات من أفراح وشجون البسطاء. فوجدنا "شادية" تتغنى بكلمات "عبد الرحمن الأبنودي" حول موسم جني محصول العنب والبرتقال، فهناك أغنيتها الشهيرة للعنب: "والله إن ما اسمريت يا عنب بلدنا.. لأجري وأندهلك عيال بلدنا". وكذلك أغنيتها للبرتقال: "طاب واستوى على الشجر برتقالنا ياوله".
ولم تعد بطلة الأغنية العاطفية أرستقراطية ناعمة، وإنما صارت عاملة أو فلاحة في الحقل، فغنّت الجماهير لفتيات تسمى "عدوية"، و"وهيبة"، و"نجاة"، كما صار بطل الأغنية العاطفية صيادًا أو عاملًا للتراحيل. ومع ذلك، فقد رصدت "الدراما التلفزيونية" أيضًا ازدهار ونمو الطبقة المتوسطة، وما يصدر عنها من ثقافة راقية، فحفلت المرحلة بمسلسلات ترسخ لحلم الصعود القومي والاجتماعي الذي يتحقق في ظل مبدأ "تكافؤ الفرص" و"العدالة الاجتماعية"، كما ازدهر المسرح القومي، وظهرت فنون جديدة متنوعة، كالباليه والرقص الشعبي.
عودة إلى المفهوم التقليدي للثقافة
إذا رجعنا إلى التعريف التقليدي للثقافة، والذي رصدناه في البداية، فسنلاحظ أن علماء "الاجتماع الثقافي" قد اكتشفوا أنهم كانوا يقتصرون في تسميتهم للمثقف على فئة "الصفوة" المحدودة، ثم بدأوا يُوسِّعون في المفهوم التقليدي الضيق ليشمل كافة الفئات الاجتماعية التي تتعدد ثقافاتها، فبرز الاهتمام بثقافة الفلاحين، وثقافة العمال، بل وبرز الاهتمام بثقافة الأميين الشفاهية، وازدهرت دراسة " الفولكلور".
الثقافة وانكماش الطبقة المتوسطة
لمَّا كان المجتمع المصري قد شهد في نهاية السبعينيات تدهورًا واضحًا في أوضاع الطبقة الوسطى بفعل هبوط نسبة كبيرة منها إلى القاع الاجتماعي، فضلًا عن استقطاب رأس المال نحو قمة الهرم الاجتماعي، وتركُّز الثروة القومية في يد حفنة من الأغنياء الجدد، والذين مارسوا دورهم في إنماء "الرأسمالية الرثة"، والتي استهدفت جني الربح من أنشطة اقتصادية غير مشروعة (كالسمسرة، وتجارة العملة، والتهريب...إلخ)، كان من الطبيعي أن تُسفر تلك الأوضاع عن استشراء مجموعة من المهن الرثة التي يضطر لممارستها من يعانون البطالة ويفتقدون لفرص العمل المنتج.
وعلى هذا النحو، دخلت الحالة الثقافية المصرية أزمة، عبَّر فيها المثقف الوطني عن صدمته وخيبة أمله. ففي ديوانه "المشروع والممنوع"، حرص "الأبنودي" على تشخيص حالة المجتمع آنذاك، بقوله: "تتعبّى شعوبنا في صفايح.. تتْحزم الأوطان في بالات.. تندكّ في شوالات.. تتباع.. والعالم سوق". كما رصدت الدراما التلفزيونية الأمراض الاجتماعية الناجمة عن تلك الحالة الجديدة في مسلسل "سفر الأحلام"، وفيلم "البيه البواب". وقد أفرزت تلك المرحلة ما سُمِّي بأفلام "المقاولات".
وتزامن مع هذه الحالة -إن لم يكن سببًا في مفاقمتها- هجرة مئات الآلاف من المصريين إلى شبه الجزيرة العربية، حيث كان الخطاب الوهابي مسيطرًا. ولم يدرك المُهاجر المصري الهادف إلى تحسين أحواله المعيشية أنه كان يغادر موقعه "الثقافي الفاعل" الذي احتلته الثقافة المصرية لآلاف السنين، ليقيم تحت الهيمنة الثقافية لمجتمع البداوة التي استطاعت بقوة المال والمقدس الثقافي البدوي أن تنفذ إلى عقول المهاجرين المصريين وقلوبهم، ومنهم إلي عناصر "الضمير الجمعي" الذي كنا نباهي الأمم بصلابته الثقافية التي حفظت الثقافة المصرية من الاختراق الثقافي من جانب نحو 40 أمة نجحت في غزو البلاد عسكريًا، وفشلت تمامًا في غزوها" ثقافيًا"، بفضل صلابة البنية الثقافية الفاعلة للمصريين.
وهنا سيكون علينا أن نشير إلى أن عمليات "التثاقف" التي تمّت بين المهاجرين المصريين وبين سكان شبه الجزيرة العربية، كانت تتم على أرضية مشتركة من حيث الانتماء إلى الدين الإسلامي، لكن "التثاقف الفاعل" كان يتم لصالح الثقافة البدوية المدعومة بالمال والنفوذ الديني. وقد تسربت تلك التيارات السلفية إلى مصر عبر العائدين من رحلة جمع المال، والذين تعرضوا لعملية إعادة "تشكيل ثقافي"، فقدوا خلالها قوتهم الثقافية المعهودة بعد أن صاروا يتشككون في الأرضية الثقافية التي خرجوا من أعطافها؛ نتيجة تعرضهم المستمر للتشكيك في ذاكرتهم الجمعية، وتاريخهم القومي، وذلك ممن يعتنقون رؤية معادية لهذا التاريخ الذي صار نهبًا للعبث والتخريب والتجزؤ. ومن ثمَّ، تمكّن "الفاعل الثقافي الجديد"، باسم التدين، من السيطرة على عقول البسطاء وأنصاف المتعلمين في اتجاهات هدَّامة استهدفت قلب منظومة القيم في اتجاه إحلال الشعور بالعار والخجل مما كانوا مصدرًا لشعورهم بالفخر والعزة.
هذا ولا يمكننا تجاهل دور المشروع الغربي في دعم إشاعة فيروس "التفكيك الثقافي"، ففي كتابه الشهير "القوة"، يقول "ستيفن لوكس" (ٍ Štefan Lux): "إن أفضل ممارسات للقوة هي تلك التي لا تستدعي العنف العسكري، وذلك بعد أن صار الاتجاه الحديث للقوة هو العمل على تشكيل أفكار الشعوب المستهدف جرها إلى علاقات التبعية". ومن يتأمل "نظرية الموزايكا السياسية" يكتشف "النزعة التآمرية" لدي المتربصين بثقافتنا الواحدة لتمزيقها بدعوى "الديمقراطية التعددية".
هذا فضلًا عن المشروع الصهيوني الذي لا يتوانَ عن حربه الثقافية، عبر مطاردة الذاكرة الجمعية لشعوبنا العربية. وقد بدا ذلك واضحًا في حرص القيادة الصهيونية على التحايل -من خلال اتفاقية "كامب ديفيد"- على دفع القيادة المصرية نحو إغلاق أرشيف الإذاعة والتلفزيون على ثروتنا من الأغاني والأناشيد الوطنية التي تجاوز عددها 1250 أغنية؛ مما أدى إلى حرمان الأجيال الشابة من الاستمتاع بها والتعلم منها، مما أسهم في استشراء حالة من "الاغتراب الثقافي الوطني" التي نسعى في وقتنا الراهن لعلاجها.
نحو نظرة مستقبلية
لقد استغرقنا في تشخيص ماضي القوة الثقافية والتماسك البنائي لمجتمعنا المصري، وبقي أن نتجه لاستدعاء مستقبل نكون فيه قد استرددنا موقعنا فيه كفاعلين ثقافيين قادرين على إبداع التماسك البنائي، والتعافي من داء "الاغتراب الفكري".
وفي هذا السياق، سيكون من الضروري، إن لم يكن من المُلح، إقامة حوارات ثقافية موسَّعة، تشمل كافة المعنيين بشئون التعليم والثقافة إلى جانب صناع القرار السياسي، يتم من خلالها الاستماع الجيد، والمناقشة الهادئة، وتسجيل الرؤى المتباينة لكل من يهمه الأمر دون تعجل للحلول المؤقتة.
هذا، وسيتوجب علينا أيضًا خوض غمار الموضوعات الثقافية التي سبق للمثقفين تجنب مناقشتها منعًا لإثارة الجدل والصراع، لا سيَّما مع ظن الكثيرين بأن مناقشة القضايا الثقافية الإشكالية لدى الذاكرة الجمعية للمجتمع هو شأن تاريخي لا يهم سوى المؤرخين، ولا ينشغل به الباحث "السسيولوجي" إلا في الأبحاث الأكاديمية. وذلك رغم أن الذاكرة الجمعية للشعوب لا تتواجد فقط في الوثائق المكتوبة، وإنما تتشكل عبر التعليم إلى جانب الحكايات الشعبية والأساطير والحياة المادية أيضًا.
وختامًا، تبرز الحاجة للعمل على تأسيس علوم اجتماعية وطنية دقيقة لا تستهدف الانغلاق على الذات باستدعاء الماضي البعيد، مع الحرص على عدم الانجذاب للنماذج الثقافية التي تدفعنا للاغتراب الثقافي، والاعتمادية، وعدم الفاعلية، خاصة وقد سبقنا إلى ذلك العديد من الباحثين والمثقفين المنتمين إلى مجتمعات لديها أيضًا إرث ثقافي متميز، كالصين، وأمريكا اللاتينية، واليابان... إلخ.