القومية العربية ستبقى راسخة قوية متينة صلبة
أيها المواطنون:
إن هذا الشعور الذى يسود أرجاء الأمة العربية.. هذا الشعور الذى يعبر عن الحرص على القومية العربية، إنما هو سلاحنا وهو حصننا فى الدفاع عن قوميتنا ضد أعدائنا، فإن القومية العربية قد تعرضت فى الماضى إلى الإرهاب وإلى الاضطهاد وإلى التنكيل، ولكنها لم تخبو ولم تموت، بل استمرت صلبة راسخة قوية متينة.
واليوم - أيها الإخوة - رغم الإرهاب ورغم التنكيل ورغم المؤامرات من أعداء القومية العربية ومن العملاء، فإن القومية العربية ستبقى راسخة قوية متينة صلبة. (هتافات).
أيها المواطنون:
لقد قاومتم كثيراً وكافحتم كثيراً من أجل تثبيت قوميتكم والدفاع عنها، ومن أجل الحفاظ على بلدكم من التبعية، ومن أجل القضاء على أعوان الاستعمار والعملاء، فانتصرتم دائماً لأنكم حققتم لبلدكم الحرية والاستقلال، وهزمتم أعوان الاستعمار والعملاء، ولم تستطع أى دولة مهما كبرت أن تطبق علينا مبدأ التبعية؛ لأننا اتحدنا جميعاً لنحمى بلدنا، وكان شعارنا دائماً لا رجعية ولا تبعية؛ لأن الوطن الذى كافح من أجل الاستقلال، والذى كافح للتخلص من الرجعية وعملاء الاستعمار، لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يقبل العملاء الجدد أو يقبل التبعية.
بهذا - أيها الإخوة - حافظنا على استقلالنا وحافظنا على بلدنا وحافظنا على قوميتنا، فإذا بدأت المؤامرات من الخارج، وإذا خرج الشيوعيون من دمشق إلى بغداد ليتآمروا ضد أرضهم وضد وطنهم؛ فإننا - أيها الإخوة - نعرف أن المؤامرات التى تدبر.. المؤامرات التى دبرها الشيوعيون ضد بلدنا لن تنجح؛ لأنهم لن يجدوا بين ربوع هذه الأرض الطيبة من يبيع وطنه ويقبل التبعية، أو من يخون بلاده ويقبل أن يكون عميلاً أجنبياً. إنهم خرجوا من هذه الأرض الطيبة، وخرج كبيرهم واجتمع فى الخارج ليشهر ببلده ووطنه وأبناء بلده وأبناء وطنه. وليست هذه - أيها الإخوة - إلا طبيعة العملاء الذين لا يحسون لبلدهم بأى قيمة، ولا يحسون لوطنهم بأى حق، ولكنهم آمنوا بالتبعية، وآمنوا بأن يكونوا عملاء للأجنبى ليجروا بلدهم داخل مناطق النفوذ. وحينما لم يجدوا بينكم هنا فى هذا البلد الشريف وفى هذه الأرض الطيبة من يستمع إليهم، ذهبوا إلى بغداد؛ لأنهم وجدوا فى بغداد المأوى والنصير، لأن قاسم العراق فتح لهم بغداد، وكان بهذا يعتقد أنه - بواسطة هؤلاء العملاء الذين آمنوا بالتبعية وتنكروا للقومية - قد يستطيع أن يقطع أوصال جمهوريتنا، أو قد يستطيع أن يخبوا النور الذى انطلقت فيه القومية العربية ويحل محله السياسة الجديدة التى اتبعها؛ سياسة التبعية وسياسة الانحياز.
استطاع قاسم العراق أن يجمع أعداؤنا من الشيوعيين والعملاء فى دمشق حتى يوجههم ضد سوريا، وكان يعتقد أنه بهذا قد يخبو القومية العربية فى سوريا، أو قد يخبو القومية العربية فى العراق، فهل استطاع أن يخبو القومية العربية أو يطفئ القومية العربية فى العراق؟ وهل استطاع أن يخدش القومية العربية فى سوريا؟ إنه لم يتمكن من أن يطفئ القومية العربية فى العراق، ولكنه قام فقط وقسم شعب العراق؛ شعب العراق الأبى الذى قاسى وحارب نورى السعيد ليتخلص من التبعية، ويتخلص من حلف بغداد، ولازال اليوم فى حلف بغداد، ولازال اليوم يحارب مرة أخرى ليتخلص من التبعية. إنه لن يتمكن من أن يطفئ نور القومية العربية فى العراق، ولن يتمكن الشيوعيون العملاء مهما دسوا ومهما كتبوا، ومهما خربوا ومهما قالوا، ومهما كذبوا ومهما قالوا لشعب العراق، لن يتمكنوا من أن يطفئوا نار القومية العربية، قد يتمكنوا لبعض الوقت من أن يعتمدوا على العناصر الشعوبية التى تكره من مئات السنين القومية العربية، ولكنهم لن يتمكنوا من أن يقتلوا روح القومية العربية فى نفوس العرب الأصلاء. (تصفيق).
هذه - أيها الإخوة - هى قضيتنا، وقد اتبع قاسم العراق نفس الأساليب التى اتبعها من قبله نورى السعيد؛ فحينما قامت الثورة فى الموصل، وكان قاسم العراق لا يعلم ماذا يجرى فى الموصل، كان أول شىء اتبعه هو أن اتهمكم واتهم جمهوريتكم؛ وكان بهذا - أيها الإخوة - يتبع نفس أسلوب نورى السعيد، ونفس أسلوب أعداء القومية العربية. وقد كان قاسم العراق يعتقد أنه بهذا قد يولد فى العراق نزعة انفصالية وطنية تبعده عن القومية العربية؛ حتى يتمكن فيها هو والشيوعيون والشعوبيون والانتهازيون والانفصاليون. نفس السياسة التى اتبعها نورى السعيد وفاضل الجمالى يتبعها اليوم قاسم العراق وجلادوه، يتبعها قاسم العراق وأذيال قاسم العراق ضد الجمهورية العربية المتحدة. وهم بهذا - أيها الإخوة - يعنون ويقصدون أن يكونوا ضد القومية العربية؛ لأن الجمهورية العربية المتحدة هى التى آلت على نفسها أن تحمل رسالة القومية العربية.
قام قاسم العراق اليوم، بعد ثورة العراق المجيدة التى قام بها جيش العراق المجيد، قام قاسم العراق اليوم يتنكر لعروبته.. يتنكر لقوميته، وقام أيضاً يتبع أساليب نورى السعيد، لماذا قامت الثورة فى الموصل؟ إنه قال: إن الثورة التى قامت فى الموصل هى بفعل من الأجنبى، وبفعل الجمهورية العربية المتحدة، ولم يكن قاسم العراق قد استطاع فى هذا الوقت أن يصل إلى الموصل، أو يعلم ماذا يجرى فى الموصل.
قامت ثوره العراق فى الموصل ضد حكم الإرهاب فى العراق؛ ضد إرهاب الشيوعيين فى العراق.. ضد الإرهاب والتنكيل فى العراق، ضد التنكيل بالضباط الأحرار فى العراق، كلنا نعلم هذا، وكل فرد فى العالم يعلم هذا، ولم تقم ثورة الشواف فى العراق بفعل من دولة أجنبية أو بفعل من الجمهورية. وإن قاسم العراق حينما اتهمكم - أيها الإخوة - إنما اتهمكم ليبرر موقفه من التنكيل بالمواطنين الأحرار والقوميين العرب.
وحينما اتهمكم قاسم العراق بهذه الاتهامات - وهو لم يكن يدرى ماذا يجرى فى الموصل - إنما كان يتبع السياسة التى تبث الفرقة بين شعب العراق وشعب الجمهورية العربية المتحدة. إن قاسم العراق يعتقد أنه بذلك - بعد أن قسم العراق شيعاً وأقساماً - سيقسم الأمة العربية على نفسها حتى تنبث فيها الشيوعية وتتحكم فيها، وحتى يسود فى بلادنا الإرهاب كما يسود الإرهاب اليوم فى العراق.
أيها الإخوة:
إن قاسم العراق أخرج طائراته وهاجم جمهوريتنا؛ هاجم قرية من جمهوريتنا، وهدم فيها بعض المنازل، وقد كنا نستطيع أن نرد الكيل كيلين، وأن نرد العدوان مرتين، ولكنا - أيها الإخوة - لم نفعل ذلك؛ لأن القرى التى قد نضربها إنما هى قرى عربية.. عربية صميمة، تجمعها القومية العربية، وهى فى نفس الوقت تتعرض أيضاً لعدوان طائرات قاسم العراق ولقنابل قاسم العراق. فإن قاسم العراق حينما اعتدى على إحدى قرانا بطائراته كان يريدنا أن نرد له هذا العدوان، ولا يهمه أن يقتل بعض أفراد العراق، ولكنه كان يريد أن يستغل ذلك ليبث الفتنة والكراهية بين الشعب العربى فى العراق وفى سوريا.
إننا - أيها الإخوة - حينما تقبلنا العدوان إنما تقبلناه لأننا لا نرضى أبداً أن نعتدى على قرية عربية فى العراق، وأن نقتل أرواح عربية فى العراق، ولن يتمكن قاسم العراق وأسياده - أسياد قاسم العراق وعملاء الاستعمار والعملاء والشيوعيون - لن يتمكنوا أبداً من أن يقضوا على القومية العربية فى هذه المنطقة من العالم.. فى البلاد العربية؛ لأن القومية العربية حاربت منذ مئات السنين عن وجودها، وهزم الطغاة، وهزم العملاء، وهزم المعتدون، وهزم المحتلون، واستمرت القومية العربية رافعة رايتها بعد أن بذلت فى سبيل ذلك الدماء.
وسنسير - أيها الإخوة - فى طريقنا، لن يعطلنا معطل، ولن يؤثر فينا عميل، وسترتفع راية القومية العربية فى كل مكان رغم أنف العملاء.
والسلام عليكم ورحمة الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة الرئيس جمال عبد الناصرفى ساحة الجلاء بدمشق
بتاريخ ١٢ مارس ١٩٥٩م.