ذات يوم.. ثروت عكاشة ينقل للفرنسيين طلب عبدالناصر بمساعدة مصر في صنع القنبلة الذرية

ذات يوم.. ثروت عكاشة ينقل للفرنسيين طلب عبدالناصر بمساعدة مصر في صنع القنبلة الذرية

بقلم الأستاذ/ سعيد الشحات

زار الدكتور ثروت عكاشة الرئيس جمال عبدالناصر في شهر مايو عام ١٩٦٦، ليعرض عليه بعض الأمور قبل سفره إلى فرنسا لحضور جلسة طارئة للمجلس التنفيذي باليونسكو حسبما يذكر في الجزء الأول من مذكراته «مذكراتي في السياسة والفن».

كان «عكاشة» وقتئذ رئيسًا للبنك الأهلي المصري، وفي نفس الوقت عضوًا بالمجلس التنفيذي لليونسكو، ويذكر أنه بعد أن فرغ من مهمته استعد للانصراف، فإذا بعبدالناصر يطلب منه الجلوس قائلًا: «صبرًا فهناك ما هو أهم مما عرضته علىّ مما ينبغي بحثه أثناء وجودك في فرنسا»، فسأله «عكاشة» عن هذا الأمر، فأجابه الرئيس: «معاونة فرنسا لنا في إنتاج القنبلة الذرية».

كان «عكاشة» يرتبط بعلاقات وثيقة في فرنسا منذ أن بدأ العمل فيها ملحقًا عسكريًا لمصر عام ١٩٥٤، ويؤكد أنه منذ بداية عمله في باريس كان جهده الأساسي منصرفًا إلى ترصد صفقات السلاح والمعدات الحربية، لا سيما الطائرات التي يبتزها عدونا الرئيس إسرائيل أولًا بأول، ويعترف: «كانت مهمة عسيرة لأن هذه الصفقات كانت تتم خفية دون إعلان أي من الطرفين، حتى بات أقرب إلى الإعجاز للحصول على معلومات دقيقة من مصادر موثوق بها غير مصادر العملاء المأجورين الذين يترددون على السفارات العربية لتزويدها بمعلومات أعدت على وجه اليقين فى المخابرات الفرنسية والإسرائيلية».

ويكشف «عكاشة» عن مشاعره وقت أن سمع عبدالناصر، قائلًا: «لم تقو قدماي على حملي فجلست»، وسألته: «أتُراك تمزح يا ريس؟.. قال: بل أنا جاد كل الجد، فإسرائيل تمتلك الآن القنبلة الذرية ومسؤوليتي تحتم على تملك مصر وسائل ردع هذا السلاح، ولذلك فنحن نحاول في كل مكان، حتى في الصين، فوعدته بطبيعة الحال بذل كل ما بوسعي ولم أخف عليه أني أشك كثيرًا في إمكانية تحقيق هذه الأمنية، وخرجت من عنده مذهولًا أحاول حصر ذهني في كيفية تبليغ هذه الرسالة، ولمن؟».

كان أول ما قام به «عكاشة» بعد انصرافه من لقاء عبدالناصر هو محاولة معرفة شيء عن هذه القنبلة الذرية، ويذكر أنه انكب على ما يحتفظ به من مجلدات مجلة «ريالتيس» الفرنسية، ليستعيد قراءة مقال منشور فيها بعنوان: «الدول التي تستطيع أن تمتلك القنبلة الذرية»..ويضيف: «كان الرئيس عبدالناصر في لقائي به قد أشار عليّ بأن أطلب من الدكتور عبدالمعبود الجبيلي، رئيس هيئة الطاقة الذرية الاحتياجات بالتفصيل، وكنت على معرفة وثيقة به منذ كنت ملحقًا عسكريًا بفرنسا، وكان أيامها يواصل دراسته العلمية بباريس، فأوضحت له المهمة التي عهد بها إلى رئيس الجمهورية، طالبًا تزويدي بالقدر اللازم من المعلومات التي تساعدني في تحقيق المهمة، فأعارني كتاب «انتشار الأسلحة الذرية» الصادر عن معهد العلوم الاستراتيجية البريطاني، والذي يكشف عن أن فرنسا لا تملك أي حق للرقابة على مفاعل ديمونة الإسرائيلى الذي أنشأته لها، ثم انتقل إلى المعلومات التي حصلت عليها إسرائيل من الدول الغربية».

يذكر «عكاشة» أنه طلب من «الجبيلي» أن يحدد له مطلب رئيس الجمهورية من فرنسا علميًا، فوضع أمامه أربع احتمالات: أولها كان الحد الأقصى وهو معونة فرنسية كاملة على أن تعوضنا فرنسا عن الوقت الزمني الضائع بين معونتها لإسرائيل ومعونتها لنا، وثانيها برنامج متوسط، وثالثها الحد الأدنى، ورابعها أسوأ الفروض وهو تزويدنا بمفاعل لإنتاج البلوتونيوم ومدنا بالمواد النووية المختلفة ورخصة إنتاج الوقود، وأيًا كانت المشروعات التي سنتعاون فيها فلا بديل عن أن تزودنا فرنسا بالتصميمات والرسومات النهائية وبالمعدات والمواد والأجهزة اللازمة لإقامة هذه المشروعات، وأن تتعاون معنا على التنفيذ في كل مراحل الإنشاء والتركيب والاختبار والتشغيل والصيانة، وأن تمدنا بالمواد النووية وقطع الغيار، وتدريب الخبراء والفنيين المصريين في المنشآت الفرنسية المشابهة واشتراكهم مع الخبراء الفرنسيين في المراحل المختلفة للمشروع».

هكذا تسلح ثروت عكاشة بالمادة العلمية اللازمة حول «القنبلة الذرية»، كي تكون سندًا له في طرح الموضوع على الفرنسيين، كما طلب عبدالناصر منه حتى جاء الموعد الذي عرض فيه مطلبه.. يذكر: «في يوم ٢٣ فبراير، مثل هذا اليوم، ١٩٦٦ التقيت بالمسيو «لويس جوكس» وزير الدولة الفرنسية لشؤون الإصلاح الإدارى بمقر وزارته، وبعد تبادل عبارات المجاملة التقليدية، عرضت عليه الموضوع، فقلت: «إنى مكلف برسالة شبه رسمية من رئيسنا أرجو إبلاغها للجنرال ديجول شخصيًا، ولعلمي بمكانتك المقدرة عنده، وحسن استماعه إليك ولثقتي بمصداقيتك لنا التي أثبتتها الظروف في أحلك الأوقات قصدتك لإبلاغ هذه الرسالة».

واستمر عكاشة في طرح رسالة عبدالناصر. 

 

المصادر

اليوم السابع