إن سياسة الحكومة المصرية هى التعاون مع كافة البلاد

 إن سياسة الحكومة المصرية هى التعاون مع كافة البلاد

سؤال من المحاور: هل لكم أن تحددوا مركز مصر تجاه دول البحر الأبيض المتوسط؟ وكيف يتمكن الاتحاد العربى، ومشروع إنشاء مؤتمر إسلامى أن يمتد إلى دول هذه المنطقة؟

الرئيس ناصر: إن سياسة الحكومة المصرية هى التعاون مع كافة البلاد التى ترغب فى التعاون معها فى سبيل المصلحة المشتركة، وباعتبار الموقع الخاص الذى تشغله مصر فى حوض البحر الأبيض المتوسط؛ فإنها تعمل على توثيق الروابط وتعزيز العلاقات مع جميع بلاد حوض هذا البحر، وتوكيداً للأمن والاستقرار والتعاون المتبادل.

أما عن علاقات دول حوض البحر الأبيض بجامعة الدول العربية، أو بدول المجموعة العربية الإسلامية، فإنها لا تخرج من ناحية المبدأ عما ذكر هنا، والمعروف أن هذه البلاد ستعمل دائماً على إنشاء علاقات ودية مع جميع البلاد التى تهدف إلى تعزيز السلام، وتوكيد الأمن والتقدم فى العالم.

سؤال من المحاور: هل تعتقدون سيادتكم أن إيطاليا يمكن أن تساهم مساهمة فعالة فى النهضة الاقتصادية القائمة الآن فى مصر؟ وما هى النواحى التى تستطيع إيطاليا أن تعاون فيها؟ وبهذه المناسبة هل تتفضلون بالتعليق على زيارة نائب وزير التجارة المصرية السيد محمد أبو نصير لإيطاليا، وعن زيارة بعثة إيطالية لمصر فى أكتوبر القادم؟

الرئيس ناصر: إن الحكومة المصرية ترحب دائماً بكل معونة، سواء كانت فنية أو اشتراكاً فى الناحية المادية يساعدها على تنفيذ برنامجها الاقتصادى الذى يهدف إلى رفع مستوى المعيشة فى البلاد بدون قيود تؤثر على سيادتها، وقد اتخذت الحكومة المصرية لذلك خطوات من شأنها تشجيع رأس المال الأجنبى على دخول البلاد، أهمها إصدار قانون استثمار رؤوس الأموال الأجنبية، وإعفاء جميع المؤسسات الصناعية الجديدة من الضرائب العامة لمدة سبع سنوات، وإعفاء الآلات والماكينات والمعدات اللازمة لإقامة المصانع الجديدة من الضرائب الجمركية. هذا علاوة على القانون الجديد الذى ينظم أعمال الشركات المساهمة لحماية رأس المال والمساهمين، وغير ذلك من القوانين التى شجعت كثيراً على جذب رأس المال الخارجى للبلاد، وقد ساهم أصحاب رؤوس الأموال الإيطاليين بنصيب كبير فى ذلك.

أما فيما يتعلق ببعثة الدكتور محمد أبو نصير إلى إيطاليا فهى سلسلة من حلقة بعثاتنا الاقتصادية إلى الدول المختلفة؛ لمناقشة جميع الموضوعات التى يمكن أن نتوصل بها إلى تعزيز وتنمية علاقاتنا الاقتصادية والمالية والتجارية بالعالم الخارجى.

سؤال من المحاور: ما هو الدور الذى تتوقع حكومتكم أن تلعبه الجاليات الأجنبية فى مصر فى حركة البعث الاقتصادى المصرى؟ وما هى الضمانات التى تتوقعونها بالنسبة لمركزهم فى مصر من الناحية العامة، ومن ناحية مشاركتهم فى نواحى الحياة بهذه البلاد؟

الرئيس ناصر: لقد كان للجاليات الأجنبية فى مصر نشاطاً ملحوظاً فى مختلف الميادين، ولما كان أهم ما تعنى به الحكومة الحاضرة هو تنمية الاقتصاد القومى وتعزيزه، وزيادة دخل الفرد، ورفع مستوى المعيشة، وتعميم العدالة والمساواة بين الجميع، بما يضمن وصول البلاد إلى حالة من الرخاء والاستقرار، فإن الجاليات الأجنبية - ولا شك - ستجد مناسبة أكثر من ذى قبل؛ لزيادة نشاطها ومشاركتها فى نواحى النشاط المختلفة فى البلاد. وإنى أشعر بأن جميع الجاليات الأجنبية يعتبرون هذا البلد وطناً ثانياً لهم؛ وذلك بالنظر لما يلاقونه من أهل البلاد وحكومتها من معاملة حسنة، ورعاية وتأييد.

سؤال من المحاور: هل لسيادتكم أن تذكروا لنا الدور الذى ستقوم به قاعدة قناة السويس بالنسبة للتنظيمات العالمية، وذلك بعد جلاء القوات البريطانية عنها، وعندما تدير القاعدة قوات الجيش المصرى؟

الرئيس ناصر: إن قاعدة السويس ستسترجع قيمتها كقاعدة عسكرية بعد أن تعود إلى حيازة مصر، وستحتلها القوات المصرية بالتدريج أثناء انسحاب القوات البريطانية؛ حتى يتم الاحتلال عقب انسحاب القوات البريطانية فى نهاية مدة الاتفاق.

سؤال من المحاور: تضمنت اتفاقية الجلاء التى وقعت بالحروف الأولى فى ٢٧ يوليو سنة ١٩٥٤ تأكيدات بأن الحكومة المصرية تعتزم احترام اتفاقية سنة ١٨٨٨؛ الخاصة بحرية الملاحة فى قناة السويس كممر دولى، فهل تفكر حكومتكم فى تكرار هذه التأكيدات التى تضمنتها الاتفاقية الثنائية بين مصر وبريطانيا للحكومات الأخرى فى العالم؟ وإذا كانت قد اعتزمت ذلك؛ فعلى أى صورة ستكون هذه التأكيدات؟ هل ستكون على صورة إعلان عام للجميع، أو عن طريق اتصالات فردية بالدول التى يعنيها الأمر؟

الرئيس ناصر: إن الإشارة إلى أن الطرفين المتعاقدين فى اتفاقية ٢٧ يوليو سنة ١٩٥٤ يحترمان حرية الملاحة فى قناة السويس كما نصت عليه معاهدة سنة ١٨٨٨؛ ليس إلا توكيداً لنص وارد فى هذه الاتفاقية، منطبقاً على جميع الدول الموقعة عليها بلا تحيز أو استثناء، وعلى ذلك فليس هناك ما يدعو للاتصال بباقى الدول الموقعة على هذه المعاهدة؛ لتوكيد أمر معترف به ومحترم من جميع الأطراف المتعاقدة.

سؤال من المحاور: يشعر العالم بمدى التقدم الذى أحرزته مصر فى عهد الثورة، وفى فترة تزيد قليلاً على عامين، فهل لسيادتكم أن تتفضلوا بالتحدث عن النواحى التى كان التقدم فيها أكثر أثراً حتى الآن؟

الرئيس ناصر: كان من أهم أهداف ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ إزالة القوى المناهضة والاستعمارية، ونشر العدل والمساواة بين الجميع، ورفع مستوى الحياة، وحماية كل هذا من المصالح الإقطاعية أو الاستغلال غير الشرعى.

إنه من أجل هذا سددت الثورة خطواتها الأولى نحو رفع مستوى معيشة الفرد، وتحسين مركزه الاجتماعى عن طريق تنمية القوة الإنتاجية التى من شأنها زيادة الدخل القومى، كل هذا يكون برنامجاً ينقسم ثلاثة أقسام:

١- تنمية القوة الإنتاجية الزراعية، التى تنقسم بدورها إلى قسمين للقوة الإنتاجية الزراعية التى تؤتى أُكلها سريعاً، وتلك التى تؤتى أكلها بعد مدة؛ أما القوة الإنتاجية الزراعية الأولى فهى تستهدف مساحة الأراضى المنزرعة فى أقاليم الدلتا والصعيد، وتحويل الرى الموسمى إلى رى دائم، واستصلاح أراض جديدة فى الواحات عن طريق استغلال الماء المستخرج بالطلمبات، ووضع نظام أحسن للتطهير الزراعى والرى بالطلمبات، فضلاً عن مشروع استصلاح ٣٠٠ ألف فدان، والثانية تستهدف بناء خزان عالى فى الجزء الجنوبى من خزان أسوان.

وينبغى أن نضيف إلى هذا الخطوات الكبرى التى خطتها حكومة الثورة فى زيادة الإنتاج الزراعى عن طريق تعميم البذور المختارة، وزيادة مساحة الأراضى المنزرعة ذرة، وإنتاج الأرز بمياه الآبار، وحماية المحصولات ضد العيوب الزراعية، وأخيراً زيادة إنتاج الفواكه. وزيادة على ذلك فإن حكومة الثورة توجه جهودها نحو تربية الحيوان مع مكافحة أمراض الحيوان، وتحسين المراعى فى الأقاليم الصحراوية، وتنمية مصائد الأسماك.

٢- النمو الصناعى: لقد دُرست مشروعات صناعات الحديد والصلب، واتُّخذ قرار ببناء مصنع صناعى يستطيع أن ينتج سنوياً ٢٠٠ ألف طن من الصلب والحديد، وسيبدأ الإنتاج الأول فى عام ١٩٥٧، وسوف يكون من المستطاع فى ذلك التاريخ إدخال عدد كبير من الصناعات المعدنية والميكانيكية؛ كمواسير المياه، والأجهزة الكهربائية، والقضبان الحديدية، وعربات السكة الحديد، وقطع غيار المحركات.

كما انتهى البحث من مشروع بناء مصنع لإنتاج السماد الذى ستصل تكاليفه إلى ٢٥ مليوناً من الجنيهات، وإنشاء صناعات كيماوية عديدة وشجعت، كصناعات المستحضرات الطبية مثلاً، وبطاريات السيارات والكاوتشوك، وعززت صناعات المنسوجات وصناعة الجوت للاستهلاك المحلى وكذلك صناعات الحرير الصناعى والقطن.

ومن أهم ما حققته الثورة فى الميدان الصناعى تنمية الثروة المعدنية، وبخاصة البترول، ولقد وسعت معامل تكرير البترول؛ فزاد إنتاجها من ٣٠٠ ألف طن إلى ١.٤٠٠.٠٠٠ طن سنوياً، وحققت الحكومة تنمية أخرى كهذه فى نطاق تصميم واستخدام الكهرباء.

وسارت الحكومة حتى النهاية فى مشروع كهربة خزان أسوان التى ستعمل وحداته الأولى الجديدة فى عام ١٩٥٧، وشيدت محطة كهربائية فى شمال القاهرة تستطيع أن تنتج ٦٠٠.٠٠٠ كيلو وات فى الساعة، كما يجرى العمل فى إنشاء محطة كهربائية أخرى جنوب القاهرة تنتج ١٢٠.٠٠٠ كيلو وات فى الساعة، وستزود جميع مصانع المنطقة الوسطى بالتيار الكهربائى، هذا وستتم سياسة الكهرباء بتمام تنفيذ مشروع كهربة خزان أسوان.

٣- مشروعات تعمير أهمها مشروع بناء الطرق، والحكومة الآن بسبيل إنشاء شبكة من الطرق تتكلف ٣٠ مليوناً من الجنيهات، وتتم فى السنوات العشر القادمة، وهناك مشروعات أخرى بسبيل التنفيذ أيضاً تتصل بالملاحة الداخلية.

أما فيما يختص بالملاحة البحرية فإن حكومة الثورة قد قررت إنشاء أسطول تجارى مصرى، وكذلك توسيع الموانى المصرية، كما بحثت أيضاً مسائل امتداد الشبكة التليفونية والتلغرافية، وتبحث الآن أيضاً مشروعات بناء مساكن للعمال وللشعب بصفة عامة، وزيادة طول الطرق الحديدية ١٠٠٠ كيلو متر، وتجديد القاطرات، ودعم النقل الحديدى بعربات جديدة.

وتُشَيَّد الآن فى القرى وحدات مزودة كل منها بمستشفى وعيادة ومدرسة أولية ومدرسة زراعية، وسوف يستفيد من هذه الوحدات ١٥.٠٠٠ قروى، وتستهدف رفع مستوى معيشتهم وتدريبهم على تطبيق مناهج التصنيع منذ مرحلتها الأولى وزيادة ماشيتهم، وتحسين الأحوال الصحية للأطفال والأمهات. وقد أنشئت ميزانية خاصة لهذه المشروعات بمبلغ ١٤.٥٠٠.٠٠٠ جنيه بجانب ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية.

وأما فيما يتعلق بالفلاحين عامة فإننا بسبيل تطبيق مشروع الجمعيات التعاونية التى سترشد الفلاحين إلى استعمال الآلات الزراعية الحديثة، وتمدهم بالسلفيات، وتزودهم بالبذور المنتقاة وبالسماد؛ مما سيكون من شأنه زيادة إنتاجهم بنسبة ١٦٪ .

ولقد عززت هذه الزيادة فى الإنتاج مركزنا المالى، وزادت من ثقتنا، كما استتبعت الزيادة فى التبادل وفى الاستيرادات زيادة فى ميزان المدفوعات؛ مما أتاح للبلد احتياطياً بدلاً من رصيد مدين.

سؤال من المحاور: هل تفكر حكومتكم فى القيام باتصالات؛ لإقامة علاقات أوثق مع أمريكا اللاتينية؟ وما هى الوسائل لتدعيم العلاقات مع هذه البلاد من النواحى الاقتصادية والسياسية والثقافية؟

الرئيس ناصر: إن علاقتنا بدول أمريكا اللاتينية كانت ولا تزال طابعها الود والتعاون، وتربطنا بهذه البلاد روابط كثيرة، علاوة على أن ما بها من جاليات عربية كبيرة تجعل هذه الروابط أكثر وثوقاً، وإنى شديد الأمل فى أن تزداد علاقة مصر والعالم العربى بدول أمريكا اللاتينية ارتباطاً، وخاصة فى ميادين الاقتصاد، والتجارة، والثقافة، والعلاقات الدولية، بما يعود عليها جميعاً بالنفع والخير.

-----------------------------------------------------------------------

حديث الرئيس جمال عبد الناصرمع وكالة الأنباء الإيطالية

بتاريخ ١٧سبتمبر ١٩٥٤م