كلمة الرئيس جمال عبد الناصر حول موضوع قناة السويس بعد التأميم للرأى العام العربى بالقاهرة عام١٩٥٦
أيها المواطنون:
السلام عليكم..
النهارده الساعة خامسة أعلنت مصر ردها على الدعوة اللى وجهت إليها لتشترك فى مؤتمر لندن اللى هيعقد يوم ١٦ أغسطس، هذا الرد سلم إلى سفارات جميع الدول فى القاهرة، وفى نفس الوقت عقدت مؤتمر صحفى لجميع الصحفيين الأجانب والمصريين قرأت فيه هذا البيان وأجبت على الأسئلة اللى سألوها.
مش عايز أتكلم على المشكلة من أولها ولكن عايز أتكلم على الجزء الأخير من المشكلة، المشكلة أنتم عارفينها بالكامل، من وقت "ديلسبس" لغاية ٢٦ يوليو من وقت ما سلبت حقوق مصر، واغتصبت حقوق مصر بفعل القوى الغاشمة، ومن وقت ما قالوا القناة هتكون لخدمة مصر، وبعدين حسينا كلنا وحس آبائنا وأجدادنا أن مصر كانت فى خدمة القنال، المشكلة دى كلها كل واحد فيكم يعرفها ويعرف تاريخها بمآسيه وما حدث فيه كل واحد فيكم يعرف إيه اللى حصل فى هذه الأيام.
أنا عايز أتكلم معاكم النهارده من وقت انتهاء خطابى اللى سمعتوه كلكم يوم ٢٦ يوليو، فى ٢٦ يوليو تقرر تأميم شركة قنال السويس، وأنا أحب اقول لكل واحد فيكم أن التأميم كان للشركة - شركة قنال السويس - مش لقنال السويس، لأن قنال السويس دى بتاعتنا أرضنا أرض مصر، لا يمكن أن أى واحد يقول ان احنا أممنا قنال السويس لأن قنال السويس جزء لا يتجزأ من مصر، أممنا شركة قنال السويس، وبعد كده كان فيه رد فعل من الخارج أساساً من الدول الاستعمارية، رد الفعل ده كان يمثل ضجة كبرى، وكان يمثل عناوين فى الجرائد بتقول: خطف قنال السويس! مصر خطفت قنال السويس، مصر خطفت القنال بتاعتنا، بتاعت إنجلترا، مصر سرقت قنال السويس، عبد الناصر الخطاف، عبد الناصر سرق القنال، إيه الضجة دى اللى حصلت فى الخارج إيه سببها؟ اللى أنا افهمه أن إنجلترا كان لها ٤٤% من الأسهم وكانت بتأخذ أرباح كل سنه بما يقدر حوالى ٥ مليون أو ٦ مليون جنية، هل الضجة اللى حصلت كانت علشان إنجلترا فقدت ٥ مليون أو ٦ مليون جنية؟ أو هل الضجة اللى حصلت كانت علشان إنجلترا مش مكتفية بالتعويضات اللى حتخدها ٤٤% من الأسهم؟ هذه الأسهم اللى اغتصبوها مننا فى وقت إسماعيل، مجاناً خدوها مننا مجاناً وخدوا عليها فلوس، دا طبعاً أمر يدعوا إلى التسائل وأمر يدعوا إلى العجب لازم فى حاجة ورا الضجة دى، فى غرض كبير جداً، مش معقول انجلترا تعمل هذه الضجة علشان حرمت من ٥ مليون جنية، ولكن إنجلترا بتعمل هذه الضجة لأنها بتنظر إلى شركة القنال على أساس أنها أثر من آثار الاستعمار، آثار النفوذ اللى احنا قلنا دائماً ان احنا ضدة، قلنا ان احنا لن نقبل بأى حال من الأحوال ان احنا نكون منطقة نفوذ لأحد، احنا عايزين نكون دولة مستقلة تحافظ على استقلالها، وتحافط على سيادتها، وتحافظ على كرامتها ولكنا لن نقبل أن نكون منطقة نفوذ لأحد تحت أى اسم من الأسماء، أو تحت أى شركة من الشركات.
وبعد كده حصل مؤتمر فى لندن اجتمعت فيه إنجلترا وفرنسا وأمريكا، ليبحثوا موضوع قنال السويس، الأجراء الذى اتخذته مصر بالنسبة لقنال السويس، ويقرروا، يبحثوا أمر من صميم أعمال سيادتنا، يبحثوا أمر من صميم اختصاصنا، اجتمعوا وبعدين بدأوا بقرار ضغط أقتصادى، تجميد الأموال المصرية فى إنجلترا وفرنسا، وفى نفس الوقت تجميد الأموال المصرية فى أمريكا. نوع من الضغط بتتبعة هذه الدول الكبرى التى تقول أنها زعيمة العالم الحر علشان تهديد الشعب المصرى، علشان فرض إرادتها على مصر، بالنسبة لإيه، بالنسبة لشىء ملكنا، بالنسبة لشىء يخصنا، بالنسبة لشىء بنعتبره جزء لا يتجزأ من وطننا، بالنسبة لشىء يدخل فى صميم سيادتنا، بالنسبة لشىء يدخل فى صميم استقلالنا.
هذا الضغط الاقتصادى أخذ بقصد تجويع الشعب المصرى زى ما هم متصورين، أو التأثير على الشعب المصرى، وكانت هذه الإجراءات تدعوا إلى العجب من زعيمات العالم الحر، اللى بتنادى بالحرية، واللى بتنادى بتقرير المصير، واللى بتنادى بسيادة الشعوب، واللى بتخفى ورا هذا الاستعمار وامتصاص دماء الشعوب، ظهرت على حقيقتها وانكشف المستور.
احنا كنا متوقعين هذا الضغط الاقتصادى طوال السنتين اللى فاتوا، وكنا بنرتب أمورنا على أساس إن ماتجيش دولة من الدول فى يوم من الأيام تجد نفسها تتحكم فى اقتصادنا، أو تتحكم فى أموالنا، احنا كنا نعتمد اعتماد كلى على كتلة الإسترلينى، كنا بنعتمد على بنك لندن، ماكانش لنا طريق آخر، فى السنتين اللى فاتوا حاولنا بكل وسيلة من الوسائل ان احنا نخرج ونتحرر واستطعنا ان احنا نتحرر، استطعنا ان احنا نعمل اتفاقيات دفع مع تقريباً الدول جميعها، وكل اللى بنصدره لإنجلترا فى السنة بـ ٨ مليون جنيه إسترلينى.
هذا الضغط قد يؤثر علينا، لكنه لن يوجعنا، لن يسبب بأى حال من الأحوال ان احنا نسلم.
قابلنا هذا الضغط، وقابل الشعب هذا الضغط بشجاعة، هذا الشعب اللى كان بيقابل جميع الأزمات بشجاعة، قابل هذا الضغط بشجاعة.
بعد كده حصل إيه لم يكتفوا بهذا ولكن بدأت التهديدات العسكرية، القنال بتاعتنا! الإنجليز بيقولوا القنال بتاعتهم! تحت أى شرع القنال بتاعتهم، وتحت أى قانون القنال بتاعتهم، القنال بتاعتنا خطفوها المصريين، واحنا لازم نسترد هذه القنال، بدأت الضغوط العسكرية التعبئة، حشد الأساطيل البحرية على طريقة القرن التاسع عشر، التحركات، بدأت فرنسا أيضاً اللى لها نص مليون عسكرى فى الجزائر تقول إنها هتحشد، هتحشد مين؟ تقول إنها هتحشد أسطولها، هتسحب من الجزائر قوات لاستعادة القناة بتاعتهم اللى المصريين خطفوها منهم، واللى عبد الناصر سرقها.
وبعدين طلع البيان الثلاثى، بيان موقعاه أمريكا وإنجلترا وفرنسا، هذا البيان أعلن للعالم أجمع، وفى نفس الوقت بلغ إلى مصر هذا البيان يكشف المستور، وهذا البيان يوضح الحقائق، مش لينا احنا بس، الرأى العام العالمى كله، استطاع الرأى العام العالمى كله أن يكشف المستور ويعرف الحقائق والنوايا، ويعلم أن الاستعمار له أشكال متعدده وله أسماء مختلفة، ولكنه فى كل هذه الأسماء، وفى كل هذه الأشكال هو استعمار.
الرد اللى أعلنته مصر النهاردة بيبين كل هذه المغالطات حاولوا بكل وسيلة من الوسائل إنهم يخدعوا الرأى العام العالمى، ويخدعوا الرأى العام بتاعهم، بيقولوا أن هذه القناة ذات صفة دولية وان هذه القناة دولية الإنجليز بيقولوا هذا الكلام، الإنجليز فى سنه ٣٩ كان فى قضية تختص بشركة القنال أدام المحاكم المختلطة، وراحوا هناك ودافعوا دفاع بشرف عن أن القنال ليست لها أى سلطة دولية ولكنها قناة مصرية.
شركة القناة شركة مساهمة مصرية، أخذت امتيازها لمدة ٦٩ سنة من الحكومة المصرية.
المادة ١٦ من الاتفاق المعقود بين الحكومة المصرية والشركة سنة ١٩٦٦، بينص على أن: شركة قناة السويس شركة مصرية تخضع لقوانين البلاد، تجاهلوا هذا الكلام، هذا الكلام كله: وهذه الحقائق تجهلوها، وابتدوا يخلطوا بين حرية الملاحة فى القنال وبين شركة قناة السويس. ابتدوا يقولوا للعالم ويقولوا للرأى العام العالمى أن حرية الملاحة فى قنال السويس لا يؤمنها إلا بقاء هذه الشركة الدولية، هذه الشركة التى لها صفة دولية هذا الكلام مردود عليه، ردت عليه مصر النهاردة. اتفاقية ٨٨ عملت إيه، اسمها اتفاقية ٢٩ أكتوبر سنه ١٨٨٨ الخاصة بضمان حرية استعمال قناة السويس البحرية، يعنى إذن هذه الاتفاقية تختص بضمان حرية استعمال قناة السويس البحرية.
احنا قلنا ان احنا لازلنا محتفظين بكلمتنا الخاصة باتفاقية ١٨٨٨، اللى يدعو إلى الأسف أيضاً أن البيان اللى طلع من زعيمات العالم الحر، ذكر بعض الحقائق وأغفل البعض الآخر، أغفل جميع الحقائق اللى تعطى مصر أى حق من حقوقها.
قالوا فى التصريح أن مصر عملت اتفاق مع بريطانيا سنة ٥٤، وقالت فيه أن قناة السويس ممر مائى ذو أهمية دولية من الناحية الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية. وأغفل تصريح الدول الثلاث البيان اللى أعلنته أمريكا وإنجلترا وفرنسا، أغفل الجزء الأول من هذه المادة، المادة الثامنه من اتفاقية ٥٤، اللى بيقول: أن الدولتين يعتبروا أن القناة جزء لا يتجزأ من مصر. دا كلام يدعوا إلى الشك ويدعوا إلى الريبة، ليه بيلغوا هذه المادة اللى وقعت عليها إنجلترا مع مصر، لأن لهم نيه التدخل، عايزين يغتصبوا جزء من أرضنا هما مضوا عليه فى سنه ٥٤، أنه جزء لا يتجزأ من مصر.
واضح كل الوضوح، أن حكومات الدول الثلاثة كانت بتصر على الارتكاز على الزعم، وتضليل الرأى العام العالمى، بأن شركة قناة السويس وكالة دولية، وأن الحكومة المصرية لا تستطيع أن تغير من وضعها.
هذا الكلام إغفال لجميع الاتفاقيات، وإغفال لجميع المعاهدات، هذا الكلام يبين النوايا المبيتة.
المؤتمر اللى دعوا إليه، واللى وجهوا إليه دعوة، ظروفه إيه، وزمانه ومكانه. اجتمعت الدول الثلاثة، اللى هى بتعتبر دول أو بعض الدول التى تستخدم قناة السويس، وأهملت كل الإهمال صاحبة الشأن، أهملوا مصر فقرروا أنهم يعملوا مؤتمر للبحث فى موضوع قنال السويس، وفى نفس الوقت اصطحب هذا زى ما قلت لكم بالتهديد، التهديد الاقتصادى، الضغط الاقتصادى، والتهديد العسكرى، وقالوا أن المؤتمر فى لندن، وقرروا أنهم يدعوا بعض الدول للاشتراك على أى أساس، ما اعرفش على أى أساس؟ فى أكتر من ٤٥ دولة بتستخدم قناة السويس هم قرروا أنهم يدعوا ٢٤ دولة.
أهملوا اتفاقية ٨٨ اللى ارتكزوا عليها، اللى بتنص على نظام الدعوة، واللى بتنص على الداعين، واللى بتنص على أن مكان الاجتماع يكون فى القاهرة. وقالوا: أن الدول الثلاثة زعيمات العالم الحر، ترى أنه لابد من اتخاذ إجراءات لإنشاء نوع من الإدارة تحت الإشراف الدولى لتأمين العمل فى القناة بصفة دائمة كما نص على ذلك اتفاق ٨٨، مع مراعاة حقوق مصر المشروعة.
الفقرة اللى قيلت فى بيانهم، هذه الفقرة بتبين بوضوح - بكل وضوح - لماذا حاولت حكومات التصريح الثلاثى أن تعطى لشركة قناة السويس صفة دولية متجاهلة نصوص جميع الاتفاقيات والقوانين؟ بتبين بكل وضوح أنهم عايزين يعتدوا على حقوق مصر الواضحة، عايزين يسلبوها سلطة سيادتها على القناة، اللى بتعتبر جزء لا يتجزأ من أرضها.
تعرفوا الإشراف الدولى يعنى إيه؟ أنا أعتبر الأشراف الدولى اللى هم بيقولوا عليه عبارة عن نوع جديد من الاستعمار. استعمار مشترك، احنا ما صدقنا خلصنا من الدفاع المشترك اللى هو يمثل أحد أشكال الاستعمار، بدأ النهارده يظهر لنا نوع جديد من أنواع الاستعمار، استعمار مشترك تحت اسم الاتفاق الدولى.
هؤلاء الناس، الدول دى اللى وقعت على ميثاق الأمم المتحدة، واللى أعلنت حرية الشعوب، واللى أعلنت حل الخلافات الدولية بالطرق السلمية، واللى خلقت الأمم المتحدة، تجاهلت هذا الميثاق، تجاهلت لدرجة لأن كل الدول المشتركة فى الأمم المتحدة اندهشت، وبعدين قالوا إن مصر انتهكت حرمت اتفاقياتها الدولية، أنا اتحدى اللى بيقول هذا الكلام إنه يبين اتفاقية دولية انتهكت بواسطة مصر.
مصر حافظت دائماً على جميع تعهداتها، ولكنها قاست من انتهاك الاتفاقات زى اللى بيحصل النهارده، الاتفاقيات اللى بيتجهلوها فى البيان الثلاثى والاتفاقات اللى بيحاولوا يخفوا منها كل حقوق مصر الواضحة كل الوضوح.
إذا كانوا يستطيعوا إنهم يعتدوا على تفكير شعوبهم، هل يستطيعوا انهم يعتدوا على تفكيرنا؟ قناة السويس بتاعتنا، حقوقنا نعرفها كل المعرفة، اتكلموا على نظام الملاحة فيها وإن الملاحة لم تنتظم ومهددة، الملاحة انتظمت، وانتظمت أكتر من الأول، أكتر من ٧٦٦ سفينة مرت بقنال السويس من وقت التأميم حتى الآن، ماحدش اشتكى، قالوا إنهم هياخدوا فلوس قنال السويس علشان يستخدموها فى السد العالى، ودا لن يمكن من عمل التطورات والإصلاحات الممكنة فى القناة، كلام بيخدعوا به شعوبهم، وبيعتدوا به على تفكير شعوبهم.
أنا بدى أقول لكم من تقرير ١٩٥٥ الخاص بقنال السويس، إيه توزيع الميزانية، جملت الإرادات بلغت ٣٤ مليون جنيه ونص، جملت المصروفات بما فى ذلك فائدة وأستهلاك رأس مال الشركة بلغت ١٨ مليون جنيه و٣٠٠ ألف، الربح الصافى للشركة ١٦ مليون جنية و٣٠٠ ألف، منح بتعطى - تعطى لمين؟ - ٥ مليون جنيه ونص، وبعد كده بيفضل رصيد صافى خالص ١٠ مليون جنيه و٨٠٠ ألف، الـ ١٠ مليون جنيه والـ ٨٠٠ ألف دول بيتوزعوا على حملة الأسهم، دا تقرير سنة ١٩٥٥.
النهارده فى المؤتمر الصحفى اللى كان الساعة ٥، سألنى أحد الصحفيين الأجانب، هل حقيقى أنتم لن توجهوا أى مبلغ من جملة الإرادات إلى أصلاح القنال وإلى تطور القنال بما يناسب الزمن؟ قلت له احنا كل اللى حنعمله، ان احنا الخمسة مليون جنية اللى بيدوها منح، الخمسة مليون جنيه ونص حناخدها، الـ ١٠ مليون جنيه و٧٠٠ ألف اللى كانت بتتوزع على حملة الأسهم حناخدها، حناخدها بعد ما ندى حملة الأسهم تعويض كامل، حيبقى عندنا حوالى ١٦ مليون جنية، دول يساوا ٣٠ مليون دولار سنوياً، احنا كنا حناخد معونة ١٢ مليون دولار سنوياً للسد العالى، وخبرائكم كانوا بيقولوا إن دا يكفينا علشان بناء السد العالى، ولكن المصاريف الموجودة حنصرفها طبعاً حنحذف منها المصاريف اللى كانت بتعطى لمجلس الإدارة بآلاف الجنيهات، ولأعضاء مجلس الإدارة بآلاف الجنيهات، والمنح المختلفة اللى كانت بتعطى على حساب قناة السويس.
قلت لهم: إن من صالح مصر إنها تطور قنال السويس وتجعلها صالحة لمقتضيات الزمن، وفى نفس الوقت من صالح مصر إنها تأخذ الربح اللى كان بيروح للمستغلين اللى خطفوا مننا الشركة وسرقوها أيام إسماعيل، ناخد الربح دا علشان نزيد الإنتاج فى بلدنا ونقابل ايضاً مقتضيات الزمن.
مستوى المعيشة العالى، مستوى المعيشة اللى احنا بنهدف إليه يحتاج إلى جهد كبير، لأن مستوى المعيشة فى مصر واطى نتيجة الاستعمار الطويل، تزايد فى السكان يحتاج إلى مجهود كبير يحتاج إلى عمل متواصل، ودا يحتاج مننا أن نعمل، نعمل فى تطوير القنال حتى نحصل أكبر ما يمكن من الإرادة، ونعمل فى بناء المشروعات الأخرى وعلى رأسها مشروع السد العالى.
هذا الكلام اللى بنسمعه بيقصد به الخلط وبيقصد به، تضليل الرأى العام العالمى، هذا الكلام يمثل السياسة اللى كانت بتتبع فى الماضى.. سياسة القوة للدول العظمى سياسة استخدام القوة، وفرض إرادتها بالقوة.
هذه القضية - يا إخوانى - هى مش قضية القنال هى قضية جميع الدول الحرة فى العالم، قضية الدول الصغرى اللى حصلت على استقلالها بكفاحها، واللى عايزة تؤمن استقلالها ضد القوة الغاشمة واللى عايزة تؤمن استقلالها ضد سياسة القوة للدول العظمى، هذه الطريقة اللى حاولوا يخدعوا الشعوب بها ظهرت فى البيان الثلاثى، هل خدعت الشعوب؟ هل خدعتنا احنا فى مصر؟ هل بثت فينا روح الهزيمة أو خلت أى واحد فينا يفكر فى التنازل عن كرامته وعن حقه، وعن سيادته؟!
حصل رد فعل فى مصر، كل واحد صمم على حقه، كل واحد حس إن فيه مؤامرة لاغتصاب حقوقه، كل واحد حس إن فيه مؤامرة للاعتداء على سيادته والاعتداء على كرامته بتدبرها الدول زعيمات العالم الحر.
رد الفعل فى هذه الدول كان إيه؟ رد الفعل فى هذه الدول كان أولاً نتيجة الإثارة.. رد فعل عنيف، ولكن فى أحرار كتير فى هذه الدول استطاعوا إنهم يكشفوا المغالطات، استطاعوا إنهم يكشفوا التضليل اللى كان بيوجه إليهم علشان ينتهك حرمة أفكارهم وبدأت أصوات فى هذه الدول نفسها تنادى بأن لا حق لنا فى ان احنا نتخذ هذا الإسلوب، وان احنا اللى أقمنا الأمم المتحدة، واللى نادينا بالمبادئ اللى نادينا بها بعد الحرب العالمية الثانية، يجب ان احنا نعطى مثل، بدأت أصوات تقول أن أى دولة من الدول الصغرى اللى حصلت على استقلالها هتحس أنها أمنه، وأن كرامتها أمنه، وأن سيادتها أمنه، إذا كانت هذه الطرق هتعتبرهى الوسيلة لحل المشاكل أو الوسيلة لحل الخلاقات.
رد الفعل هنا فى مصر كان التصميم والعزم، التصميم على ان احنا نكافح، كفاحنا يكون استمرار لكفاحنا الماضى.
النهارده فى المؤتمر الصحفى، فى واحد صحفى سألنى، هل فى حالة طوارىء موجودة فى مصر؟ وأنا قلت له: والله أنا يعنى طول عمرى فى مصر عارف إن فيه حالة طوارىء، حالة طوارىء ضد الاستعمار اللى كان موجود وضد الاستغلال، حالة طوارىء ضد السيطرة الاجنبية، حالة طوارىء ضد الطامعين، كل واحد فينا كان بيعتبر نفسه فى حالة طوارىء، وقلت له أما أنا عن نفسى فأنا باستمرار بعتبر نفسى فى حالة طوارىء حتى استطيع أن أجنب بلدى طمع الطامعين.
احنا هذه المؤامرات تجعلنا أكثر إيماناً بحقنا، لن نخضع أبداً ولكنا سنكافح من أجل حقوقنا.
النهارده واحد صحفى سألنى فى المؤتمر الصحفى، قال لى: أفرض أن إنجلترا وفرنسا استخدمت القوة هتعمل إيه؟ قلت له هاعمل إيه هادافع عن وطنى لأخر قطرة فى دمى؛ هذا هو واجبى، واجب كل وطنى. قال لى المتطوعين أد إيه؟ قلت والله ما اعرفش المتطوعين، لكن احنا ابتدينا نؤمن بشىء اسمه الحرب الشاملة، الحرب الشاملة الموجودة فى كل مكان أراد أن يتحرر، واللى انتصرت على الدبابات والطيارات والأساطيل والقوة الغاشمة، الحرب الشاملة الموجودة فى الجزائر واللى كانت موجودة فى الهند الصينية، الحرب الشاملة اللى الشعب كله بيعبئ نفسه من أجل الحصول على حريته والحصول على استقلاله، وتأمين سياسته، والحياة، وإقامة نوع من الحياة الكريمة.
بدى أقول لكم حاجة، أنا بعد ما سمعت الضجة دى استغربت وفى وقت من الأوقات فكرت، بافكر - إخوانى - ان احنا نقبل هذه الدعوة؟.. لا اعترافاً ولا ضعف، أبداً ان احنا نبين للعالم أن هؤلاء الناس اللى بيتكلموا بهذه اللغة نسيوا السلام العالمى، نسيوا الأمن العالمى وبعدين حصل إيه؟.. مزيد من التهديدات.. تهديد الشعب المصرى والضغط على الشعب المصرى.
وبعدين وقف رئيس وزارة إنجلترا، واتبع طريقة غريبة، قال: ان احنا لا نثق فى عبد الناصر، مالناش دعوة احنا عايزين عبد الناصر، بقى دا معقول، إن كل الضجة دى علشان عايزين فرد من الأفراد! هم عايزين سيادة مصر، عايزين السيطرة والاستغلال، وأن نكون فى منطقة من مناطق النفوذ. طبعاً بعد هذا الكلام كان الاستجابة إلى هذه الدعوة ضد كرامتنا وضد سيادتنا، لأن وضحت النوايا وظهرت الحقائق.
رد الفعل فى باقى العالم كان إيه؟ فى الرأى العام الحر، الحر فعلاً كان إيه؟ بعد تأميم قناة السويس بيوم وبعد التهديد بدأ صوت من العالم العربى، وبدأت الأصوات من العالم العربى تقول: إن اسمها مش قناة السويس، دى اسمها قناة العرب. بدأت القومية العربية فعلاً تظهر بأجلى معانيها وبأحسن صورها؛ بدأت التأييدات لمصر ومساندة مصر من ملوك العرب ورؤساء العرب جميعاً.. وبدأ الشعب العربى والأمة العربية تشعر بوجودها وتشعر بكيانها، وتظهر عن حقيقتها وما فى نفسها وما فى قلبها، بدأت القومية العربية تظهر للعالم أجمع.
امبارح - يا إخوانى - أنا كنت باقرا أحدى الصحف، وبعدين قرأت مقالة فى الصحف الأجنبية بتقول إن القومية العربية بقت حقيقة واقعة، وإن القومية العربية يمكن بقت خطر أكثر من الخطر الشيوعى.
أنا فى سنة ٥٢ بعد الثورة لما كتبت كتاب "فلسفة الثورة"، كنت ببص إلى القومية العربية كأول سبب من أسباب قوتنا، مش كمصر بس كعرب يجب أن نكون على هدف واحد، لنا قومية واحدة، كل واحد فينا يحس باللى بيحس به أخوة، كل واحد فينا يشعر بما يشعر به أخوة، كل واحد فينا يكافح فى سبيل القضية اللى بيكافح فيها أخوة.
النهارده فى المؤتمر الصحفى الساعة خمسة، سألنى أحد الصحفيين الاجانب، قال لى: هناك خطة موجودة، منظمة، مدبرة، علشان يحدث ما حدث فى البلاد العربية من رد الفعل؟ أنا استغربت! قلت له: والله أنتم مش فاهمين حاجة أبداً مين هو الرجل الذكى جداً الفذ اللى عنده من قوة التنظيم اللى يستطيع إنه يضع هذه الخطة، قلت له: إن القومية العربية أصبحت حقيقة واقعة، القومية العربية فى قلب كل عربى، القومية العربية النهارده كل عربى بيشعر إنها هى طريق سلامته، طريق أمنه، طريق وجوده، طريق عزته، طريق كرامته، قلت له: النهارده بعد أن هددت مصر ظهرت القومية العربية فى كل مكان، فى كل بلد عربى بأجلى معانيها، هل يستطيع أحد، هل يستطيع أى إنسان فى العالم إنه ينظم هذه المشاعر أو ينظم هذا العمل الذى يبين أن المشاعر واحدة، وأن الأهداف واحدة؟!
أنتم لازم تفهموا أن العرب النهارده غير العرب زمان، العرب حسوا بوجودهم، حسوا بقوميتهم، وبدأوا أن يشعروا شعور كامل أن قوتهم فى قوميتهم.
فى بقية أنحاء العالم إيه اللى حصل، كل دولة من دول العالم حست أن هذا العمل تهديد لها، الدول الحرة اللى بتستطيع أن تعبر عن رأيها وعن إرادتها - دول آسيا جميعها - كل دولة من دول آسيا أعلنت أن هذا العمل اللى بتتخذه الدول الثلاثة الكبرى يعتبر تهديد للسلام، يعتبر عمل من أعمال القرن التاسع عشر، الرأى العام الحر، الضمير العالمى ألتف حول هذه القضية، لأنها قضية الحق، وقضية الحق الذى تنادى به دولة صغرى أمام الدول الكبرى، التى تريد أن تباشر سياسة القوة.
النهارده - يا إخوانى - الرأى العام العالمى، الضمير العالمى بيلتف حول قضية قناة السويس، ما بقتش قضية مصر وإنجلترا وفرنسا وأمريكا أبداً، بقت قضية العالم اللى بيدافع عن استقلاله اللى كافح من أجله، قصاد قضية استخدام القوة الغاشمة، أو قصاد سياسة القوة التى تتبعها الدول الكبرى.
النهارده احنا كدولة بتباشر حقوقها، وتباشر سيادتها لا يمكن أن نخضع لأى شىء يمس كرامتنا، ولا يمكن أن نخضع لأى ضغط يمس سيادتنا، ان احنا بندى المثل للعالم، بنقول: إن الحق يستطيع أن ينتصر، وبنقول: إن العالم فيه رأى عام حر، وأن الضمير العالمى ضمير حر، رغم أساليب البيان الثلاثى اللى أعلن، ورغم تضليل البيان الثلاثى.
احنا - يا إخوانى - قلنا احنا مستعدين نتفاهم فى حرية استخدام قناة السويس البحرية، يجتمع مؤتمر من الدول الموقعة على ٨٨، ويدعو جميع الدول اللى بتستخدم قناة السويس اللى هى أكثر من ٤٥ دولة لنبحث ضمان حرية استعمال قناة السويس البحرية فى الملاحة، دا شىء يهمنا احنا ويهم دول العالم كلها.
قناة السويس مهمة جداً للتجارة العالمية، مش لإنجلترا، مهمة لدول آسيا لأنها تنقل من دول آسيا البضائع إلى باقى أنحاء العالم، بتهم دول آسيا لأنها بتنقل منها البترول. بتهم دول أوروبا لأنها بتنقل إليها هذه البضائع والمواد الخام، ثم تعيد فتنقل باقى المواد المصنوعة، بتهمنا احنا جداً، احنا بيهمنا أن لا نضر أى دولة من دول العالم بل نساهم فى رفاهيتها، ونساهم فى تسهيل عملها، ونساهم فى تنشيط تجارتها، ولكن العملية مش عملية حرية استعمال قناة السويس، العملية هى عملية قوة غاشمة، تحكم، استغلال، سيطرة، مناطق نفوذ.
احنا حينما أعلنا رأينا النهارده، كنا بنعمل كل شىء فى سبيل السلام، احنا اعتنقنا هذه المبادئ، وقعنا على ميثاق الأمم المتحدة اللى أهملوه دول البيان الثلاثى، وقلنا: إننا سنعمل كل ما فى وسعنا لحل المشاكل الدولية بالطرق السلمية، وقعنا بيان باندونج، وقلنا: ان احنا سنستخدم جميع الوسائل السلمية لحل المشاكل الدولية، مافيش حاجة أبداً يا إخوانى ما نعملهاش فى سبيل السلام.
أنا قلت لكم: أنا كنت مستعد أسافر إلى لندن، من أجل هذا ولكن إذا كنا نعمل حاجة فى سبيل السلام يجب أن تكون محتفطة لنا ونحتفظ بكرامتنا اللى هى رأس مالنا، اللى بدأنا نحس بها النهارده وبسيادتنا.
والسؤال اللى الواحد يسأله لنفسه النهارده: هل هذه الدول تريد السلام فعلاً؟ هل الدول دى عايزة السلام؟ ولا الدول دى حاق بها الغضب عايزة تحل مشاكلها؟.. هل الحكومة الفرنسية عايزة سلام؟ إذا كانت عايزة سلام ما كانت حلت مشاكل الجزائر، وكانت وافقت على تقرير المصير اللى نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، ولكنها عايزة تحل مشاكلها الداخلية، عايزة تحل مشكلة الجزائر، عايزة تحل مشكلة الحكم والوزارات اللى بتيجى عندها كل ٦ أشهر وزارة. هل الحكومة الإنجليزية عايزة، ولا عايزة تطمئن لأنها بريطانيا العظمى؟! أنا قرأت فى إحدى الجرائد بتقول: إن بريطانيا العظمى لن تكون أبداً بعد هذا عظمى، عملية غطرسة أكثر منها عملية حب فى السلام.
احنا قلنا إننا سنحاول بكل الوسائل السلمية ان احنا نحل المشاكل بما يحافظ على سيادتنا وما يحافظ على كرامتنا، الحلول اللى قدمت النهارده تدل وتبين للعالم أجمع أن مصر تريد السلام، ولكنها تحافظ أيضاً على سيادتها وكرامتها، تريد ان تحل المشاكل الدولية بالطرق السلمية، ولكنها لن تخضع للقوة الغاشمة، ولن تخضع للتهديد الاقتصادى أو التهديد العسكرى.
الكلام اللى قلناه النهارده - يا إخوانى - يبين أن مصر كلها هتكافح وتجاهد من أجل تثبيت سيادتها، ومن أجل تثبيت استقلالها، وإلا الجلاء اللى حصل دا مالوش قيمة، إذا كان الجلاء دا جلاء صورى، على أساس أن قناة السويس تكون مش تابعة لمصر، أو تحت سيطرة أو نفوذ دولة أو دول أجنبية، دا كلام لا يمكن للعقل أن يقبله.
أنا بدى أقول لكم: إن كان فيه باستمرار مؤامرات من أجل قناة السويس، واحنا كنا على بينة منها، كان فيه مؤامرات لتدويل قناة السويس، وكان فيه مؤامرات لمد امتياز قناة السويس، شركة قناة السويس جت قالت لنا: مدوا لنا الامتياز علشان نقدر نستمر فى برنامج الإصلاح، قلنا لهم: لن نمد الامتياز، "مسيو بيكول" هو المدير - مدير الشركة - سافر من عدة أشهر إلى واشنطن، وحاول بكل الوسائل والطرق إنه يضغط علشان الدول تيجى تقول: مدوا الامتياز أو دولوا القناة، أكثر من هذا - يا إخوانى - "مستر بلاك" وكلكم عارفين مين هو "مستر بلاك" اللى هو مدير البنك الدولى، لما جالى قال لى: احنا مستعدين نديكم بليون دولار كقرض علشان توسعوا قناة السويس وتجعلوها صالحة لمرور السفن الكبرى، بس على شرط؛ أنكم تبحثم فى وضع قنال السويس، أو تعملوا قناة أخرى، أنا رديت عليه قلت له: قناة أخرى دا احنا مش عارفين نخلص من المصايب اللى جابتها لنا القناة الموجودة، حنيجى نعمل قناة تانية، قلت له: إننى لا أستطيع أبداً إننى أدى كلمة فى هذا الموضوع قبل ما نخلص الوضع القائم فى قناة السويس، احنا بنسعى إلى السلام يعاوننا فى هذا جميع الشعوب المتحررة، اللى بتشعر بالحرية.
سنحاول بكل الوسائل ان احنا نتجه إلى حلول سليمة، ولكن فى سبيل الدفاع عن كرامتنا وعن سيادتنا، احنا سنكافح، أنا عن نفسى سأكافح لأخر قطرة فى دمى، دا سبيلنا، وهذه هى مشكلتنا، نحن نتجه إلى الأمام بقوة وعزم وتصميم وإيمان بحقنا فى الحرية، وحقنا فى الحياة.
نتجه إلى الأمام سينصرنا الله، اللى أعاننا فى كل أزماتنا، واللى خلانا انتصرنا فى كفاحنا على مر السنين، سننتصر على القوة الغاشمة، وسننتصر على قوى الاستغلال، وقوى السيطرة، وقوى التحكم، سنتجه إلى الأمام بإيمان بحقنا فى الحرية، وحقنا فى الحياة، إيمان بنفسنا، إيمان بوجودنا، إيمان ببلدنا، إيمان بأرضنا.. إيمان بأن قنال السويس جزء لا يتجزأ من مصر، هذا هو طريقنا. والله يوفقكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.